السيد كمال الحيدري

80

اللباب في تفسير الكتاب

بمعنى أن يهاجر الإنسان ويخرج عن ذلّ ما توطّن فيه من الصفات الذميمة ويبعد عن المعاصي ، وأن لا يشغل قلبه بشئ سوى الله تعالى . قال الراغب في « المفردات » : « الهجْر والهجران : مفارقة الإنسان غيره ، إمّا بالبدن أو باللسان أو بالقلب . قال تعالى : ( والهجروهن في المضاجع ) كناية عن عدم قُربهن ، وقوله تعالى : ( ان قومي اتخذوا هذا القران مهجورا ) فهذا هجر بالقلب أو بالقلب واللسان ، وقوله : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ) فالظاهر منه الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان كمَن هاجر من مكّة إلى المدينة ، وقيل مقتضى ذلك هجران الشهوات والأخلاق الذميمة والخطايا وتركها ورفضها » « 1 » . وبهذه الهجرة يرتقى الإنسان إلى القُرب الإلهى ، فيصل إلى منتهى السعادة الحقيقيّة بصفاء القلب وتزكيته والعروج إليه جلّت عظمته . وهذا يثبت أنّ للهجرة تطبيقات ومصاديق مختلفة تنشأ من علوّ الهمّة التي هي تختلف باختلاف الأشخاص ومراتب الإيمان ودرجات اليقين ، كهجرة الأخيار والأبرار والمقرّبين . والجامع بينها جميعاً هو الرحيل من علم اليقين إلى عين اليقين ومنه إلى حقّ اليقين ، أو من المعرفة إلى الشهود ومنه إلى المعاينة ، فمن هاجر من هذه المواطن قاصداً بهجرته الوصول إلى حضرة المحبوب بنيل رضاه ، فقد بلغ أقصى مراتب السعادة وأشرف منازل الكرامة . ثمّ إنّه كما أنّ للهجرة مصاديق معنويّة مضافاً إلى المصداق المادّى ، فإنّ الموت أيضاً ينقسم إلى الموت الطبيعي والموت الإرادى الاختياري ، الذي يحصل من خلال الإعراض عن متاع الدُّنيا وطيّباتها والامتناع عن مقتضيات النفس ولذّاتها وعدم اتّباع الهوى ، فإنّه قد ينكشف له ما ينكشف للإنسان عند

--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن : مادّة « هجر » .